الفكر العربي والخروج من سجن الأيديولوجيا


من السهل أن يعيش الإنسان في دوامة الانحيازات المسبقة؛ فالدوائر المغلقة من الحقد والكراهية تمتلك تاريخا طويلا في الوعي الجمعي.

وقد أشار ابن خلدون إلى أن التقليد "عريق في النفس البشرية"، وهي قاعدة يمكن تعميمها على معظم النزاعات التي لم تهدأ في العالم العربي منذ سقوط مظلة الدولة العثمانية. فغياب تلك المظلة لم يكن مجرد لحظة سياسية، بل لحظة ولادة لخارطات ذهنية جديدة شكلت هويات الأنظمة السياسية في المنطقة.

من مصر إلى العراق، وسوريا، والجزائر، وليبيا، تشكلت أنماط حكم استبدادية تتشابه في بنائها العميق، وتؤسس سرديات مختلفة تبرر بقاءها.

وفي مقابل هذا الانهيار، ولد تيار إسلامي عريض قادته جماعة الإخوان المسلمين، التي تحركت بقوة وقْع سقوط الخلافة. رسائل حسن البنا لملوك وزعماء المنطقة لاقت ترحيبا في زمن كان يبحث عن بديل يلم شتات الهوية السياسية الجديدة.

لكن المنطقة، في زمن الناصرية وما بعدها، انزلقت إلى حروب باردة داخلية، بين نهج إسلامي تدعمه دول عربية والتيار القومي الذي تدعمه دول أخرى، وصاحبَ ذلك صراع بين الطموحات الإقليمية والحدود الهشة للدول الناشئة.

ومع أن بعض الممالك العربية استطاعت الحفاظ على استقرار نسبي وتجنب الانقلابات التي ضربت الجمهوريات، فإن النظام الإقليمي نفسه ظل مفككا، هشا، قائما على سرديات أكثر مما هو قائم على بنى مؤسسية.

ويسجل الدكتور صلاح زرتوقة، في دراسته حول طرق انتقال السلطة في العالم العربي، أن العنف كان السمة الجامعة حتى داخل الأنظمة المستقرة ظاهريا. وفي هذا السياق، تبرز مفارقة أن بعض الدول خاضت صداما واسعا مع التيارات الإسلامية، لم يكن متناسبا مع حجم التهديد الفعلي لهذه الجماعات داخل تلك الدول.

السؤال العميق هنا: لماذا ندور في هذه الدائرة المغلقة؟ ولماذا تعجز المنطقة عن إنتاج نموذج إقليمي مستقر، بينما يعيش الجميع تحت سرديات وتصنيفات وتخوين متبادل لا ينتهي؟

خارطة الإدراك والعاطفة

إن ضعف القدرة على إنتاج رؤية مشتركة لا يعود إلى غياب الأفكار، بل إلى أنماط ذهنية راسخة تتحكم في الفاعلين السياسيين. ما نعيشه اليوم ليس مجرد صراع مصالح، بل صراع خارطات ذهنية عاطفية Cognitive Affective Maps- ذلك المفهوم الذي طوره الفيلسوف الكندي بول ثاغارد، والذي يبين كيف تتفاعل العواطف والدوافع مع المعتقدات لتشكل الأيديولوجيا وتوجه السلوك السياسي.

هذه خارطات ليست واعية، وليست نتاج عقل خالص؛ ربما تكون نتاجا لشبكة من المدارك، فيها انحيازات أولية، وكذلك عاطفة ومدارك وذكريات صنعها التاريخ نفسه. وتضيف دراسات علوم الإدراك الحديثة أن الإنسان لا يدرك العالم كما هو، بل كما يريد أن يكون وفق انحيازاته.
مثلا، خارطة الإدراك التي نرسمها للنازي تشمل ذكريات هتلر والفخر به، الانحياز لرموز وعلم النازية، كره اليهود، ومعاداة الليبرالية، وإذا رسمنا خارطات المنطقة الفكرية، فسنجد الكثير من هذه الشبكات الإدراكية.

هذه ليست "أفكارا"، بل شبكات عصبية تعيد إنتاج ذاتها في حلقة مغلقة. ولهذا، فإن السياسة العربية- منذ قرن- لم تكن قادرة على صناعة خيال سياسي جديد؛ لأن كل طرف يعيش في "سجن أيديولوجي" على طريقة تشبيه كارل بوبر.

لكل منا سجن يعيش فيه، هو الأيديولوجيا، لكن كما قال كارل بوبر: بإمكاننا أن نجعل هذا السجن أوسع، وأن نزور سجونا أخرى، ونضع قواعد المشترك من أجل مستقبل مختلف.

الإبداع كمدخل لكسر الدائرة

ربما حان الوقت لاعتبار الإبداع ليس مجرد فن أو أدب أو اختراع، بل أسلوب تفكير يحطم المألوف. الإبداع في السياسة هو القدرة على:

  1. إنتاج حلول خارج منطق المعادلة الصفرية.
  2. تجاوز سرديات الهوية القاتلة.
  3. رؤية المستقبل خارج ذاكرة الجراح.

لكن هذا لا يحدث في بيئات يهيمن عليها الأدرينالين والدوبامين السياسي؛ فكما تظهر الأبحاث، الأيديولوجيا تشبع حاجة نفسية أشبه بالإدمان، فتلتف على نفسها وتمنع الإبداع السياسي. لذلك، يبدو المشهد العربي كمتوالية مغلقة: (أفكار قديمة- انحيازات راسخة- إعلام تعبوي- صراع مستمر- غياب حلول مبتكرة).

الميثاق الجديد: نحو خيال سياسي خارج الأسوار

حتى نخرج من هذه الدوائر، نحن بحاجة إلى ميثاق عربي جديد. ليس "ميثاق وحدة" ولا "ميثاق مواجهة"، بل ميثاق تحرر من الانحيازات. ميثاق يقوم على القواعد التالية:

  • إعادة تشكيل الخيال الجمعي
    تربية أجيال ترى في المستقبل مساحة مشتركة، لا ذاكرة للثأر.
    إعطاء قيمة للعلم والتكنولوجيا والفنون والابتكار باعتبارها مجالات محايدة وآمنة للالتقاء.
  • تأسيس نظام سياسي إقليمي بعقل إستراتيجي
    نظام يبنى على المصالح، لا على العواطف والانفعالات والخطابات المؤدلجة.
  • تحييد الملفات الخلافية وبناء مناطق مشتركة
    مثل التعليم، التكنولوجيا، البيئة، الثقافة، الرياضة، الاقتصاد الإبداعي.

هذا الميثاق ليس مشروعا مثاليا، بل استجابة لواقع منهك؛ نحن بحاجة للتفكير بطريقة مختلفة، أن يتحرك فينا الخيال والفكر بطريقة إبداعية أفقية، حتى يمكننا أن نكسر تلك الخارطة العاطفية التي تحكم تفكيرنا.

لذا، فإن فتح مسارات تتجاوز تلك المسلمات التي زرعها كل طرف عن الآخر، أن تكون القاعدة الإدراكية خيالا واسعا لواقع جديد بدل أن يغلق كل منا السجن على نفسه، هذا الميثاق هو مستقبل فيه تصور لمنطقة قوية مبدعة، لها وزن نوعي في المعادلة الدولية، فيها دول قادرة على تمثيل مجتمعاتها.

لكل منا سجن يعيش فيه، هو الأيديولوجيا، لكن كما قال كارل بوبر: بإمكاننا أن نجعل هذا السجن أوسع، وأن نزور سجونا أخرى، ونضع قواعد المشترك من أجل مستقبل مختلف.

هذا الميثاق يجب أن يقوم به الحكام والحكماء في المنطقة، إنه ميثاق نفكر فيه حتى لا يقطع أمسنا غدَنا، حتى لا نمنع الأجيال الجديدة من بناء سرديات تخصها، أكثر عمقا وجدوى لحياة الأمة ومنافع الناس.
ميثاق يحدد قضايا بعينها يمكن تجنيبها كل هذه الخلافات، كالتعليم والتقنية والمشاركة الفنية والرياضية.

تراكم تلك البنى التحتية، وإيجاد خطاب إعلامي قادر على بناء سردية للمستقبل، وليس تحليلا للماضي، قد يكون هو البداية. والأمة ولادة، وفيها من يمد يده للطرف الآخر، للجميع.. إنه زلزال صامت من أفق أوسع، سيرضى به الجميع إذا وجدت فرصة تسمح لفكر جديد أن يتسرب في ضلوع الجيل القادم.



Post a Comment

أحدث أقدم
شعار Scoop Mauritania
🔴 آخر الأخبار تحميل الأخبار...