السمنة في موريتانيا \ Sagar kissma diawnè



السمنة في موريتانيا : وباء صامت يهدد صحة المجتمع لم تعد السمنة في موريتانيا مجرد مسألة مظهر أو رفاه صحي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى تحدٍّ صحي واجتماعي حقيقي يفرض نفسه بقوة على واقع المجتمع، في صمتٍ يكاد يكون أخطر من الضجيج. ففي بلدٍ كان يعاني سابقًا من سوء التغذية ونقص الغذاء، بات اليوم يواجه مفارقة مؤلمة تتمثل في الانتشار المتزايد لزيادة الوزن والسمنة، خاصة في المدن الكبرى. تحول في نمط الحياة والغذاء أحد أبرز أسباب تفشي السمنة في موريتانيا هو التغير الجذري في نمط الحياة. فقد أدى التوسع الحضري السريع إلى تقليص النشاط البدني، مقابل الاعتماد المتزايد على وسائل النقل، والجلوس الطويل، والعمل المكتبي. كما ساهم انتشار الوجبات السريعة والأطعمة الغنية بالدهون والسكريات في تغيير العادات الغذائية التقليدية، التي كانت تعتمد في السابق على البساطة والتوازن. المشروبات الغازية، والخبز الأبيض، والأطعمة المقلية أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، في ظل غياب الوعي الكافي بمخاطر الاستهلاك المفرط لهذه المنتجات، خاصة بين فئة الشباب والأطفال. السمنة بين العادات الاجتماعية والمعتقدات في بعض الأوساط، لا تزال السمنة تُنظر إليها كعلامة على الرفاه أو الصحة الجيدة، خصوصًا لدى النساء. هذا التصور الاجتماعي، المتجذر في الثقافة الشعبية، يعيق الجهود الرامية إلى محاربة السمنة، ويجعل التحذير منها يُقابل أحيانًا بالاستهانة أو الرفض. غير أن الواقع الطبي يؤكد أن السمنة ليست دليل صحة، بل عامل خطر مباشر للإصابة بأمراض مزمنة خطيرة، مثل السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، وآلام المفاصل، بل وحتى بعض أنواع السرطان. تداعيات صحية واقتصادية مقلقة تنعكس آثار السمنة بشكل مباشر على النظام الصحي الوطني، من خلال ارتفاع تكاليف العلاج، وزيادة الضغط على المرافق الصحية المحدودة أصلًا. كما تؤثر على الإنتاجية الاقتصادية، نتيجة التغيب عن العمل، وتراجع القدرة الجسدية، وتفاقم الأمراض المزمنة في سن مبكرة. الأخطر من ذلك أن السمنة لم تعد مقتصرة على البالغين، بل بدأت تسجل حضورًا مقلقًا بين الأطفال، ما ينذر بجيل يعاني مستقبلًا من أمراض مبكرة كان من الممكن تفاديها بالوقاية. دور التوعية والسياسات الصحية مواجهة السمنة في موريتانيا تتطلب مقاربة شاملة، تبدأ بالتوعية الصحية، ولا تنتهي عند السياسات العمومية. فالتثقيف الغذائي في المدارس، وتشجيع ممارسة الرياضة، وتنظيم حملات إعلامية مستمرة، كلها أدوات أساسية لكسر دائرة الجهل الصحي. كما أن على السلطات العمومية العمل على: دعم الأغذية الصحية بأسعار مناسبة تنظيم الإعلانات الغذائية الموجهة للأطفال توفير فضاءات عامة لممارسة الرياضة إدماج الوقاية من السمنة ضمن الاستراتيجيات الصحية الوطنية مسؤولية فردية وجماعية رغم أهمية دور الدولة، تبقى المسؤولية الفردية حجر الزاوية في محاربة السمنة. فالاختيارات اليومية البسيطة، مثل تقليل السكر، والمشي المنتظم، والاعتدال في الأكل، قادرة على إحداث فرق حقيقي على المدى الطويل. السمنة ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة نمط حياة يمكن تغييره، متى توفرت الإرادة، والمعرفة، والدعم المجتمعي. خاتمة إن السمنة في موريتانيا وباء صامت، لا يقرع الأبواب بعنف، لكنه ينهش صحة المجتمع ببطء. والتصدي له اليوم، بوعي ومسؤولية، هو استثمار في مستقبل أكثر صحة، وعدالة، واستدامة. فصحة الأفراد هي أساس صحة الأوطان، ولا تنمية حقيقية دون مجتمع سليم الجسد والعقل.



كاتب المقال: Sagar kissma diawnè

Post a Comment

أحدث أقدم
شعار Scoop Mauritania
×
📢
اصنع الحدث الآن! انشر خبراً أو مقالاً على موقع "سكوب موريتانيا". اضغط للبدء.